محمد متولي الشعراوي

4053

تفسير الشعراوى

الممكّن هو الذي يحتل المكان بدون زحزحة ؛ فيقال : مكّنتك من كذا . أي أعطيتك المكان ولا ينازعك أحد فيه . وقد مكننا سبحانه في الأرض وجعل لنا فيها وسائل استبقاء الحياة ، وترف الحياة ، وزينة الحياة ، ورياش الحياة ، ولم تبخل الأرض حين حرثناها ، بل أخرجت لنا الزرع ، ولم تغب الشمس عنا بضوئها وإشعاعها وحرارتها . ما في الدنيا يؤدى مهمته ، ولم نمكّن في الأرض بقدراتنا بل بقدرة اللّه . وكان يجب ألا يغيب ذلك عن أنظارنا أبدا . فلا أحد منا مسيطر على الشمس أو القمر أو الريح أو الأرض ، ولكن الذي خلقها وجعلها مسخرة ، هو ربك وربها ؛ فأنت ممكّن ، وكل شئ مستجيب لك . بتسخير اللّه له . وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ ( 10 ) ( سورة الأعراف ) و « معايش » جمع معيشة ، والمعيشة هي الحياة ، فالعيش هو مقومات الحياة ، ولذلك سموا الخبز في القرى عيشا لأن عندهم دقة بالغة ؛ لأنهم عرفوا أنه مقوّم أساسي في الحياة . وقول الحق : قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ دل على أن هناك من يشكر ، ومن الناس من يشكر نعم اللّه شكرا عاما على مجموع النعم ، أو يشكره شكرا خاصّا عند كل نعمة ، ومنهم من يشكر شكرا خاصّا لا عند كل نعمة ، ولكن عند جزئيات النعمة الواحدة ، فعندما يبدأ في الأكل يقول : « بسم اللّه الرحمن الرحيم » ، ويقول بعد الأكل : « الحمد للّه » ؛ وهناك من يقول عند تناول لقمة واحدة : « بسم اللّه » وعندما يمضغها ويبلعها يقول : « الحمد للّه » لأنها لم تقف في حلقه ، وأيضا حين نشرب علينا أن نشرب على ثلاث دفعات : أول دفعة نقول : « بسم اللّه » . وننتهى منها فنقول : « الحمد للّه » وكذلك في الدفعة الثانية والدفعة الثالثة . ومن يفعل ذلك فلا تتأتّى منه معصية ، ما دامت آثار شربة الماء هذه في جسمه ؛ لأنها كلها « بسم اللّه » . فتحرسه من الخطيئة ؛ لأن النعمة الواحدة لو استقصيتها لوجدت فيها نعما كثيرة . وأنتم حين لا تشكرون إنما تضيقون عليكم أبواب النعم من اللّه ؛ لأنكم